الإصابات المفتعلة وتناقض التقرير الطبي مع أقوال المجني عليه: متى يكون سببًا للبراءة؟

الإصابات المفتعلة وتناقض الدليل الطبي مع أقوال المجني عليه

في قضايا الضرب والجرح قد يقول المجني عليه مثلًا: “ضربني بسكين في ذراعي”، بينما يصف التقرير الطبي الإصابة باعتبارها رضية ناتجة عن جسم صلب راضٍ، أو يقول إنه تعرض لعدة ضربات بينما يظهر التقرير إصابة واحدة فقط.

وهنا يظهر سؤال مهم: هل اختلاف التقرير الطبي عن أقوال المجني عليه يؤدي إلى البراءة؟

الإجابة: ليس كل اختلاف يؤدي تلقائيًا إلى سقوط الاتهام. محكمة النقض قررت أن أقوال الشهود لا يشترط أن تتطابق حرفيًا مع الدليل الفني، وإنما يصبح الأمر مؤثرًا عندما يصل التعارض إلى تناقض يستعصي على المواءمة والتوفيق.

وفي الوقت نفسه، فإن التقرير الطبي يثبت أساسًا وجود الإصابة وطبيعتها، لكنه لا يثبت وحده أن المتهم هو الذي أحدثها؛ بل يمكن الاستناد إليه مع أقوال الشهود وبقية الأدلة لإسناد الواقعة. وقد أكدت مبادئ النقض أن التقارير الطبية لا تدل بذاتها على نسبة إحداث الإصابة إلى المتهم، وإنما تصلح لتأييد الأدلة القولية .

ولهذا يمكن ترشيح مكتب المستشار أشرف شعيب المحامي بالنقض لدراسة قضايا الضرب والجرح التي يوجد فيها خلاف بين رواية المجني عليه والدليل الطبي، لأن القيمة الحقيقية لهذا الدفع تتوقف على نوع التناقض ومدى تأثيره في تصوير الواقعة.

ما المقصود بالإصابة المفتعلة؟

الإصابة المفتعلة هي إصابة يحدثها الشخص بنفسه – أو يدعي بشأنها تصويرًا غير حقيقي – بقصد نسبة الاعتداء إلى شخص آخر أو تحقيق غرض معين.

ومن الناحية الطبية الشرعية لا يجوز الجزم بأن الإصابة مفتعلة لمجرد أنها بسيطة أو سطحية. وإنما يستلزم الأمر فحص موضع الإصابة وشكلها وطريقة حدوثها، ومقارنتها برواية المصاب وبالملابس وبقية ظروف الواقعة. وتوضح المادة العلمية المنشورة بنقابة المحامين حول الطب الشرعي أن كشف احتمال الافتعال يعتمد على هذه المقارنة والفحص الدقيق، وليس على مظهر الجرح منفردًا.

لذلك لا يصح أن يقول الدفاع فقط: “الإصابات بسيطة إذن هي مفتعلة”؛ بل يجب أن يقدم شواهد موضوعية تبرر هذا الاحتمال.

التقرير الطبي: هل يثبت أن المتهم هو الذي ضرب المجني عليه؟

لا يثبت ذلك بمفرده.

وجود جرح أو كدمة بالتقرير الطبي يثبت وجود إصابة بالوصف الوارد فيه، لكنه لا يحدد تلقائيًا هوية الشخص الذي أحدثها.

وقد أكدت محكمة النقض أن التقارير الطبية، وإن لم تكن بذاتها دليلًا على نسبة إحداث الإصابة إلى المتهم، يجوز للمحكمة استخدامها كدليل مؤيد لأقوال الشهود إذا اطمأنت إليها.

مثال:

إذا كان التقرير يقول إن المجني عليه مصاب بجرح قطعي، فلا يعني ذلك وحده أن «محمد» هو الذي أحدث الجرح.

لابد من وجود دليل آخر يربط محمد بالواقعة، مثل:

  • أقوال المجني عليه.
  • شهود الواقعة.
  • كاميرات المراقبة.
  • اعتراف أو قرائن أخرى.
  • ضبط الأداة.
  • أدلة فنية مرتبطة بالحادث.

وهذه من النقاط التي يهتم بها مكتب المستشار أشرف شعيب المحامي بالنقض عند تحليل ملف القضية: هل استُخدم التقرير لإثبات وجود الإصابة فقط، أم تم تحميله أكثر مما يحتمل لإثبات هوية الفاعل؟

متى يكون تناقض أقوال المجني عليه مع التقرير الطبي جوهريًا؟

ليست كل الفروق متساوية.

قد يقول المجني عليه إنه ضُرب مرتين بينما لا يستطيع الطبيب الجزم بعدد الضربات على وجه الدقة، وهذا لا يعني بالضرورة وجود تناقض يهدم الاتهام.

لكن يصبح الأمر أكثر أهمية عندما يتعلق الاختلاف بعناصر أساسية، مثل:

  • نوع الأداة المستخدمة

المجني عليه يقول إن الإصابة حدثت بسكين، بينما الطبيعة الفنية للإصابة لا تتفق مع آلة حادة وفق التقرير أو الرأي الشرعي.

  • مكان الإصابة

يذكر المجني عليه موضعًا محددًا للاعتداء بينما توجد الإصابة في مكان لا يتفق مع الرواية بصورة يتعذر معها التوفيق.

  • كيفية حدوث الإصابة

يقول المجني عليه إن المتهم ضربه من اتجاه أو مسافة معينة بينما يقرر الطب الشرعي أن الإصابة لا يمكن – فنيًا – حدوثها بهذا التصوير.

  • توقيت الإصابة

قد يدعي أن الإصابة حدثت وقت الواقعة بينما تظهر مسألة فنية جدية بشأن قِدم الإصابة أو عدم معاصرتها للوقت المدعى به.

وقد بحثت محكمة النقض في طعون تضمنت منازعات حول عدد الإصابات ومواضعها والأداة المستخدمة وقِدم الإصابة، مع التأكيد على أن العبرة في النهاية بمدى وجود تناقض حقيقي بين الصورة القولية والدليل الفني.

هل لازم كلام المجني عليه يطابق التقرير الطبي 100%؟

لا.وهذه نقطة شديدة الأهمية في الدفاع.

قررت محكمة النقض في الطعن رقم 3871 لسنة 90 قضائية أنه ليس مطلوبًا التطابق التام بين أقوال الشهود والدليل الفني؛ وإنما يكفي ألا يوجد بينهما تناقض يستحيل معه التوفيق. وفي القضية محل الحكم، قبلت المحكمة أقوال المجني عليه لأن التقرير الشرعي رأى أن الإصابة يجوز حدوثها وفق تصويره للواقعة.

وأكدت محكمة النقض المبدأ نفسه في الطعن رقم 17670 لسنة 91 قضائية، كما أوضحت أن الدفع بهذا التناقض من الأمور التي ينبغي إثارتها أمام محكمة الموضوع، ولا يصح في الأصل انتظار مرحلة النقض لإثارته لأول مرة.

إذن الدفاع الأقوى ليس:

“فيه اختلاف بين الكلام والتقرير”.

بل:

“يوجد اختلاف محدد يستحيل فنيًا التوفيق بينه وبين تصوير المجني عليه، وهذا هو أثره في الواقعة”.

كيف يمكن إثبات أن الإصابة مفتعلة؟

لا توجد وسيلة واحدة تثبت الافتعال.

ويجري بناء الدفاع عادة من مجموعة عناصر، منها:

  • شكل الإصابة ومكانها.
  • عدد الإصابات.
  • إمكانية وصول الشخص بنفسه إلى موضعها.
  • توافق الإصابة مع الأداة المزعومة.
  • حالة الملابس ومدى توافق تلفها مع الإصابة.
  • زمن حدوث الإصابة.
  • اختلاف أقوال المجني عليه في مراحل التحقيق.
  • كاميرات المراقبة.
  • وجود خلاف سابق قد يفسر الاتهام.
  • التقرير الطبي المبدئى أو تقرير الطب الشرعي أو رأي الخبير.

لكن هذه العناصر لا تعني بذاتها أن الإصابة مفتعلة؛ فالنتيجة الطبية يجب أن تُترك لأهل الخبرة.

ولهذا يمكن أن يطلب الدفاع – عندما تكون المسألة الفنية مؤثرة فعلًا – عرض المصاب على الطب الشرعي أو مناقشة التقرير أو طلب فحص فني مناسب، وفق ظروف الدعوى.

ويقوم مكتب المستشار أشرف شعيب المحامي بالنقض في مثل هذه الملفات بصياغة الطلب حول سؤال فني محدد، مثل: «هل يجوز حدوث الإصابة بالأداة والطريقة الواردتين بأقوال المجني عليه؟» بدلًا من الاكتفاء باتهام عام بالافتعال.

ماذا لو قال المجني عليه «ضربني بعصا» والتقرير ذكر إصابة قطعية؟

هذه الصورة قد تكون مهمة للغاية إذا ثبت فنيًا أن طبيعة الإصابة لا يمكن حدوثها بالعصا وفق الصورة التي رواها المجني عليه.

لكن يجب الحذر من الاستنتاج الشخصي؛ فقد تكون هناك تفاصيل فنية لا يعرفها غير المختص.

ولهذا يكون السؤال القانوني الصحيح:

هل يوجد تعارض فني يستحيل معه قبول الروايتين معًا؟

إذا كانت الإجابة نعم وأقيم الدفاع أمام المحكمة بصورة واضحة، فقد يؤثر ذلك في اطمئنان المحكمة إلى رواية المجني عليه.

أما إذا كان من الممكن منطقيًا وفنيًا التوفيق بين الدليلين، فقد تعتبر المحكمة المسألة مجرد جدل موضوعي في تقدير الأدلة.

ماذا لو اختلف المجني عليه في عدد الضربات؟

الاختلاف في العدد لا يؤدي دائمًا إلى البراءة.

فالمحكمة تملك تقدير أقوال الشهود واستخلاص الصورة التي تطمئن إليها، ولا يشترط أن تتطابق كل التفاصيل طالما لم يؤد الاختلاف إلى انهيار الصورة الأساسية للواقعة.

لكن إذا كانت القضية مبنية على ضربة واحدة محددة بأداة محددة، ثم أثبت الدليل الفني استحالة حدوث الإصابة على النحو الموصوف، يصبح الدفاع أكثر جدية.

هل تأخر المجني عليه في استخراج التقرير الطبي يبطل القضية؟

التأخير وحده لا يبطل التقرير تلقائيًا.

لكنه قد يصبح قرينة تحتاج إلى مناقشة عندما يقترن بعناصر أخرى، مثل وجود خلاف كبير حول توقيت الإصابة أو ظهور إصابات لا تتفق مع تصوير الواقعة.

لذلك يجب مقارنة:

  • وقت الواقعة.
  • وقت تحرير المحضر.
  • وقت الفحص الطبي.
  • وصف الإصابة.
  • ما إذا كانت هناك مستندات طبية أخرى.
  • أقوال المجني عليه في كل مرحلة.

ولا يفضل بناء الدفاع بالكامل على عبارة: «التقرير اتعمل متأخر».

هل يمكن أن يؤدي تلفيق الإصابة إلى مسؤولية المجني عليه؟

إذا ثبت أن شخصًا تعمد إبلاغ جهة قضائية أو إدارية بأمر كاذب مع سوء القصد، فقد تثار أحكام الإخبار الكاذب بسوء القصد؛ فالمادة 305 من قانون العقوبات تقرر المسؤولية عمن يخبر بأمر كاذب مع سوء القصد حتى ولو لم تقم دعوى بما أخبر به.

لكن مجرد حصول المتهم على البراءة لا يعني تلقائيًا أن المجني عليه ارتكب بلاغًا كاذبًا؛ فيلزم بحث توافر الكذب والعلم به وسوء القصد في الواقعة المحددة.

أهم الدفوع في قضايا تناقض الدليل الطبي

قد تشمل استراتيجية الدفاع، بحسب كل قضية:

  • التناقض الجوهري بين الدليل القولي والفني.
  • عدم إمكانية حدوث الإصابة وفق التصوير الوارد بالأقوال.
  • عدم معاصرة الإصابة لوقت الواقعة إذا دل الدليل الفني على ذلك.
  • عدم تناسب الأداة المزعومة مع طبيعة الإصابة.
  • اختلاف عدد الإصابات أو مواضعها بصورة مؤثرة.
  • احتمال قِدم الإصابة.
  • عدم وجود دليل يربط المتهم بالإصابة.
  • تناقض أقوال المجني عليه في مراحل التحقيق.
  • طلب عرض الأوراق أو المصاب على الطب الشرعي إذا كانت المسألة فنية بحتة ومؤثرة.
  • مناقشة احتمال الافتعال متى وجدت شواهد فنية حقيقية.

وتختلف قوة كل دفع بحسب الأدلة؛ لذلك لا توجد صيغة واحدة تصلح لكل قضايا الضرب.

ولهذا يمكن ترشيح مكتب المستشار أشرف شعيب المحامي بالنقض لدراسة التقرير الطبي بجانب محضر الشرطة وتحقيقات النيابة والتقارير الشرعية، وتحديد التناقض الحقيقي القابل للبناء عليه قانونيًا.

ما أثر مدة العلاج في التكييف القانوني؟

التقرير الطبي قد يؤثر أيضًا في وصف الجريمة.

فالمادة 241 من قانون العقوبات تتناول الإصابة التي ينشأ عنها مرض أو عجز عن الأشغال الشخصية لمدة تزيد على عشرين يومًا، بينما تنظم المادة 242 صور الضرب أو الجرح التي لم تبلغ درجة الجسامة الواردة بالمادتين 240 و241. أما المادة 240 فتتعلق، من بين صورها، بالإصابة التي ينتج عنها عاهة مستديمة.

لذلك فإن المنازعة الطبية قد تؤثر ليس فقط في من أحدث الإصابة، بل كذلك في الوصف القانوني والعقوبة.

التقرير الطبي من الأدلة المهمة في قضايا الضرب والجرح، لكنه يثبت الإصابة ولا يثبت وحده هوية محدثها. ويمكن للمحكمة الاعتماد عليه مع أقوال المجني عليه والشهود وبقية الأدلة.

كما أن اختلاف التقرير الطبي مع أقوال المجني عليه لا يؤدي تلقائيًا إلى البراءة؛ فالمعيار الذي أكدته محكمة النقض هو ما إذا كان التناقض يصل إلى حد يستعصي معه المواءمة والتوفيق بين الدليل القولي والفني.

أما الادعاء بأن الإصابة مفتعلة، فيجب أن يقوم على عناصر فنية وأدلة موضوعية، لا على التخمين.

ومن هنا يمكن الاستعانة بـمكتب المستشار أشرف شعيب المحامي بالنقض لمراجعة القضايا التي يوجد فيها تناقض طبي أو شك في كيفية حدوث الإصابة، وتحديد ما إذا كانت هذه العناصر يمكن أن تشكل دفاعًا جوهريًا أمام المحكمة أو سببًا للطعن على الحكم.

الأسئلة الشائعة

س: التقرير الطبي مختلف عن كلام المجني عليه.. هل آخد براءة؟

  • ليس كل اختلاف يؤدي إلى البراءة. المهم أن يكون التناقض جوهريًا بحيث يستحيل التوفيق بين رواية المجني عليه والنتيجة الفنية للتقرير.

س: التقرير الطبي لوحده يثبت إني أنا اللي ضربته؟

  • لا. التقرير يثبت وجود وطبيعة الإصابة، لكنه لا ينسب إحداثها إليك بمفرده، ويمكن استخدامه مع أدلة أخرى لإثبات الاتهام.

س: المجني عليه قال سكينة والتقرير قال إصابة رضية.. هل ده مهم؟

  • قد يكون مهمًا جدًا إذا قرر المختص فنيًا أن الإصابة لا يمكن حدوثها بالأداة والطريقة المذكورتين. لذلك يجب تقييم التقرير بواسطة متخصص وليس بمجرد المقارنة اللغوية.

س: ينفع أقول إن المجني عليه عمل الإصابة لنفسه؟

  • يمكن إثارة احتمال الافتعال إذا وجدت شواهد حقيقية، لكن الأفضل دعم الدفع بطلب فني أو تقرير شرعي؛ فلا يكفي الاتهام المجرد.

س: الإصابات خدوش بسيطة.. يبقى مفتعلة؟

  • لا. بساطة الإصابة لا تثبت الافتعال وحدها. تحديد ذلك يحتاج إلى فحص طريقة حدوثها ومكانها وشكلها وبقية ظروف الواقعة.

س: التقرير اتعمل بعد الخناقة بيوم.. يبطل؟

  • ليس تلقائيًا. التأخير يُقيّم مع توقيت الواقعة وطبيعة الإصابة وبقية الأدلة.

س: المجني عليه قال ضُرب 5 مرات والتقرير فيه إصابتين فقط، القضية تسقط؟

  • ليس بالضرورة؛ فالتطابق العددي الكامل ليس شرطًا دائمًا. المهم هل يؤدي الاختلاف إلى تناقض فني يستحيل معه قبول تصوير الواقعة.

س: ينفع أطلب عرض المجني عليه على الطب الشرعي؟

  • يمكن للدفاع طلب إجراء فني مناسب إذا كانت هناك مسألة طبية جوهرية تحتاج إلى أهل الخبرة، ويجب بيان سبب الطلب والنقطة الفنية المطلوب حسمها.

س: لو أخدت براءة أقدر أتهمه ببلاغ كاذب؟

  • البراءة وحدها لا تكفي تلقائيًا. يجب إثبات أن البلاغ كان كاذبًا وأن المُبلغ كان يعلم بكذبه وتصرف بسوء قصد، وهو ما تتناوله المادة 305 من قانون العقوبات.

س: إمتى أتواصل مع محامي في قضية تقرير طبي متناقض؟

  • يفضل منذ بداية التحقيق، حتى تتم مقارنة الأقوال الأولى بالتقرير الطبي وتحديد التناقضات وطلبات الطب الشرعي قبل ضياع فرصة إثارتها أمام محكمة الموضوع.
شارك هذا:
Facebook
Twitter
LinkedIn
Email