في كثير من القضايا التي تتضمن ضررًا ماديًا أو معنويًا، يُثار تساؤل جوهري من قِبل المجني عليه: هل يمكنني المطالبة بتعويض مدني إلى جانب صدور حكم جنائي ضد الجاني؟
وللإجابة بدقة على هذا التساؤل، لا بد من استعراض العلاقة بين القانون الجنائي والقانون المدني، وكيف يمكن للمجني عليه أن يضمن حقوقه المالية والمعنوية من خلال دعوى تعويض مستقلة أو ملحقة بالقضية الجنائية.
في هذا المقال، يوضح مكتب الأستاذ أشرف شعيب – أحد أبرز مكاتب المحاماة في مصر – الإطار القانوني لحق المجني عليه في طلب تعويض مدني، وكيف يمكن المطالبة به بطرق قانونية فعالة.
ما الفرق بين الحكم الجنائي والتعويض المدني؟
الحكم الجنائي: يخص العقوبة على الجريمة
الحكم الجنائي يصدر عن محكمة الجنايات أو الجنح، ويركز على معاقبة الجاني نتيجة ارتكابه لفعل يجرمه القانون مثل السرقة، النصب، الضرب، أو القتل.
هدف الحكم هو حماية المجتمع من الجريمة، وليس تعويض المجني عليه بالضرورة.
التعويض المدني: لتعويض الضرر الناتج عن الجريمة
أما التعويض المدني، فهو يعالج الأثر المباشر على المجني عليه، سواء كان ضررا ماديا (خسارة مال أو ممتلكات)، أو ضررا نفسيا ومعنويا. هذا النوع من القضايا ينظر فيه أمام المحكمة المدنية أو ضمن القضية الجنائية نفسها إذا تم ضم الدعوى.
هل يمكن الجمع بين الدعويين الجنائية والمدنية؟
نص القانون واضح
القانون المصري يجيز للمجني عليه رفع دعوى مدنية تبعًا للدعوى الجنائية.
بمعنى آخر، يجوز للمجني عليه أن يطلب التعويض أمام نفس المحكمة التي تنظر في الجريمة، دون الحاجة إلى رفع دعوى جديدة أمام المحكمة المدنية.
مزايا ضم الدعوى
-
توفير الوقت والإجراءات
-
إثبات الضرر بناءً على حيثيات الحكم الجنائي
-
سرعة الحصول على التعويض المستحق
ومع ذلك، هناك حالات يُفضل فيها رفع دعوى مدنية منفصلة، خصوصًا لو كانت الجريمة قد صدر فيها حكم نهائي ومر وقت على الواقعة.
أنواع الأضرار التي يجوز التعويض عنها
الضرر المادي
يشمل الخسائر المباشرة مثل تلف ممتلكات، علاج طبي، فقدان دخل. في هذه الحالة، يعمل محامي تعويضات على إثبات العلاقة بين الجريمة وهذه الخسائر.
الضرر المعنوي
يشمل الألم النفسي، الإهانة، السمعة، والخوف الناتج عن الجريمة، ويمكن المطالبة به تحت بند التعويض المعنوي.
كيف ترفع دعوى تعويض مدني بعد الحكم الجنائي؟
من خلال نفس المحكمة
إذا كانت القضية لا تزال أمام المحكمة، يمكن إرفاق دعوى التعويض أثناء سير القضية الجنائية، ويقوم المحامي بصياغة الطلب ضمن أوراق الجلسة.
كدعوى مستقلة بعد الحكم
في حال صدر الحكم الجنائي بالفعل، يمكن رفع دعوى تعويض جديدة أمام المحكمة المدنية، ويتم الاعتماد على الحكم الجنائي كدليل دامغ على وقوع الخطأ التقصيري.
هل يلزم الاستعانة بمحامي متخصص؟
نعم، من الأفضل أن يتم توكيل محامي إصابات أو تعويضات يكون على دراية كاملة بالتفاصيل الإجرائية والاختلافات بين القانون المدني والقانون الجنائي، حيث أن التعويض يتطلب إثبات الضرر والعلاقة السببية، وهي عناصر قانونية دقيقة لا يجوز الاستهانة بها.
متى ترفض المحكمة طلب التعويض المدني؟
في حال انعدام الضرر المثبت
رغم أن التعويض المدني حق، إلا أن المحكمة قد ترفض الدعوى إذا لم يتمكن المدعي من إثبات الضرر المادي أو المعنوي الذي تعرّض له.
بمعنى آخر، مجرد صدور حكم جنائي لا يعني تلقائيا استحقاق تعويض، بل يجب أن يقدّم محامي تعويضات أوراقا وتقارير تثبت قيمة الضرر بدقة.
إذا صدر حكم بالبراءة
في بعض الحالات، إذا برأت المحكمة الجنائية المتهم، فقد لا يكون للمجني عليه حق في التعويض المدني. إلا إذا كان الضرر قد تحقق بسبب خطأ مدني لا يرتبط مباشرة بالجريمة.
الفرق بين الضرر الناتج عن الفعل الجنائي والخطأ التقصيري
الضرر الناتج عن جريمة
ويكون مرتبطًا بفعل جنائي مثل الاعتداء أو السرقة. ويمكن المطالبة فيه بالتعويض أمام المحكمة الجنائية أو المدنية.
الخطأ التقصيري
ويقع في نطاق القانون المدني، ويقصد به أي فعل يسبب ضررًا للغير دون أن يشكل جريمة جنائية.
وفي هذه الحالة ترفع دعوى تعويض أمام المحكمة المدنية فقط، دون حاجة لحكم جنائي.
أمثلة على قضايا مشتركة بين الحكم الجنائي والتعويض المدني
إصابة خطأ في حادث سير
في حال وقوع حادث مرور وتسبب في إصابة شخص، يتم النظر في القضية جنائيًا (بسبب الإهمال أو القيادة تحت تأثير) وفي نفس الوقت يحق للمصاب رفع دعوى تعويض مدني.
التعدي بالضرب أو السب
إذا ثبت التعدي من خلال حكم محكمة، يمكن للمجني عليه المطالبة بـ تعويض معنوي نتيجة الأذى النفسي والسمعة التي لحقت به.
الخلاصة: حقوقك لا تنتهي بالحكم الجنائي
في النهاية، من المهم أن يعرف كل مجني عليه أن الحصول على حكم جنائي ضد الجاني لا يغني عن المطالبة بحقه المدني.
التعويض ليس مكافأة، بل هو استرداد لجزء من العدالة، سواء من خلال المحكمة المدنية أو عبر الدعوى المرفقة بالقضية الجنائية.
ويوصي مكتب الأستاذ أشرف شعيب بضرورة التحرك السريع بعد صدور الحكم، ومشاورة محامٍ متخصص لتقدير نوع الضرر، وحجم التعويض المستحق، وضمان إجراءات قانونية فعالة لاسترداد الحقوق.